الأحد 18 - نوفمبر - 2018 م الساعة 07:24:19 م
مُلقب بـ"ستيفن هوكنغ" فلسطين
أمير "الملتميديا" يتفوق على أجهزة العناية "الذكية"

 

غزة/ عمر زين الدين (أنسنة):

مستلقياً على سريره في قسم العناية المركزة في مستشفى الشفاء، يأتي صوته الخافت وسط طنين الأجهزة الطبية، مختنقاً ترافقه حشرجةٍ سببها الأنبوب الذي يستقي منه هواء الحياة.

 

جهازٌ واحدُ فقط يمكنه التحكم به عبر أصابعه النحيلة، هو حاسبه المحمول، فجعل منه نافذته التي يطل منها على الحياةِ متمرداً على المرض الذي يكبله بالأنابيب والأسلاك الواصلة للأجهزة الطبية.

 

أمير عنان (24 عاماً)، الذي مكث في العناية المكثفة ما يزيد على 70 يوماً، بدا يقاتل بشراسة ليواصل ما كان قد اعتاد عليه من تفاصيل حياته ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

 

"دوشين"..وماذا بعد؟!

الشاب العشريني يعاني من مرض ضمور العضلات، من نوع (دوشين)، وهو مرضٌ يفقد ضحاياه القدرة على المشي، ويتفاقم وصولاً للتأثير على القدرة على التنفس، وهو ما حدث مع أمير.

 

ففي بداية شهر مارس الماضي تسببت مضاعفاتٌ صحية في دخوله في غيبوبةٍ لم تطل كثيراً، ليفتحَ عينيه متثاقلتين على الطبيب يتفقد حالته، ويطمئن على مؤشراته الحيوية عبر الأجهزة الطبية التي غدت ملازمة له.

 

الجو الصاخب بطنين الأجهزة الطبية التي تختلط مع صراخ من يستيقظ من مرضى العناية، شكل تحدياً سرعان ما اضطر إلى تجاوزه، ليجابه شعور الاختناق الناجم عن أنبوب التنفس الدخيل على جسمه.

 

 

الصوت الغائب

يقول: "صوتي الذي أتحدث به كان قد اختفى نتيجة الالتهابات، واضطررت للتعبير كتابياً عن حاجاتي، إلى حين العودة التدريجية لصوتي، مما شكل ضغطاً نفسياً هائلاً علي".

 

ذات الجهد الذي واجهه أمير في التعبير، وازاه جهد أهله في التفسير، فوالده الذي تبدو علامات القلق واضحةً على وجهه، يحاول قدر المستطاع البقاء إلى جانب ابنه ليزيل جانباً من أرقه، وتصطف إلى جواره أمه بذات الملامح.

 

" الأطباء طمأنونا حيال استقرار حالة أمير الصحية، لكنه لا يزال بحاجة لعناية فائقةٍ تتوفر له فقط في المستشفى، معبّراً عن ارتياحه لمستوى الرعاية الصحية فيه" كما يقول والده.

 

واعتاد حيدر عنان وهو أستاذ الجيولوجيا بالجامعات الفلسطينية، على ملازمة ابنه وإيصاله إلى المحافل والمناسبات، وإلى جامعته التي تخرج منها بتقدير امتياز في مجال الوسائط المتعددة، قبيل تدهور حالته الصحية.

 

تدهورٌ جعله يستنشق من الأنبوب الواصل بين قصبته الهوائية وجهاز التنفس، رائحة الموت التي عبّقت مراراً أجواء قسم العناية، وجنت أرواح مرضى، إلا أنه يقول: "كان أمراً صعباً.. لكنني اعتدت على ذلك.. ببساطة: هي هكذا الحياة".

 

استقرار الحالة

فبعد استقرار حالته الصحية لم يعد أمير يصبُّ كل اهتمامه للتفكير في حالته، فما يفكر به حالياً هو تدشين جمعيةٍ لمرضى ضمور العضلات تهتم بحصر المصابين بالمرض ودراسة احتياجاتهم، وتوعية أهلهم بآليات دمجهم بالمجتمع.

 

ورغم أنه يعاني من عدم قدرته على التحرك وتحقيق طموحاته، لا ينفكُّ يبحثُ عن آليةٍ مناسبة للتواصل مع أقرانه، والترويج لفكرته التي يرى أنها تستحق اهتماماً من الجمعيات الأهلية.

 

ووفقاً لأحدث تعداد للمركز الفلسطيني للإحصاء للأفراد ذوي الإعاقة، الصادر في عام 2012م، فإن في قطاع غزة ما يزيد على 22 ألفاً من ذوي الإعاقة الحركية، يندرج من ضمنهم مرضى ضمور العضلات.

 

ولا تتوفر إحصائية دقيقة لدى وزارة الصحة في غزة، حول أعداد المصابين بهذا المرض، إلا أن الأرقام العالمية تشير إلى أن نسبة الإصابة بهذا المرض عالمياً تصل إلى 1:3600.

 

احتفل أمير بذكرى ميلاده الرابعة والعشرين في مستشفى الشفاء، وغادرها إلى منزله بعد استقرار حالته الصحية، لينقل جانباً من قسم العناية إلى منزله، مطلقاً العنان لمرحلة جديدة في حياته.

 

وللقصة بقية

ربما كان من هدايا القدر أن تمكن أمير من إتمام دراسة دبلوم تكنولوجيا الوسائط المتعددة في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، قبل وعكته الصحية الأخيرة التي جعلت من تنقله من وإلى أيّ مكانٍ أمراً بالغَ الصعوبة.

 

حضر أميرُ احتفالات تخريجه متفوقا حاصلا على الامتياز في فصول دراسته متفرقةً؛ إلا أنه لم يتمكن من حضور حفل تخرجه من الكلية الجامعية بعد إتمامه جميع فصول الدراسة.

 

في الفيديو الذي بثته الكلية عن أمير الخريج وهو يرتدي لباس التخرج، جاء صوته أكثر قوة، وبدا مفعما بالحيوية والإصرار على الانتصار على المرض، ما حذا بالكثيرين ليطلقوا عليه لقب "ستيفن هوكنغ الفلسطيني".

 

التعليقات
(الآراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها وليس عن رأي الشبكة الفلسطينية)
التعليقات على هذا الموضوع 12 تعليق
تعليقات الفيس بوك