الثلاثاء 18 - ديسمبر - 2018 م الساعة 12:36:46 ص
العنف اللفظي والاحتراب الوجداني
حسام شاكر/ باحث ومؤلف واستشاري إعلامي

prednisolon kur

prednisolon bivirkninger

 

تقرع الألفاظ والأوصاف نواقيس الخطر. فعندما ينزع كل فريق الصفة الإنسانية عن الآخر؛ يكون الإقدام على الفتك به أو نحره أو سحقه أو تفجيره أيسر منالاً، حتى وإن كان شريك الوطن أو المدينة أو اللون أو الدين. فما "للوحوش" في التصورات الرائجة سوى المطاردة، وما "للجرذان" في الاستعمال الدارج سوى المكافحة، وما "للحشرات" في مفهوم القوم سوى الإبادة، وهي الألفاظ التي لا يندر سماعها في فضاء المجتمعات العالقة في منعطفها التاريخي الراهن.

 

تتراشق المربعات الإثنية والطائفية والقبلية بنعوت التعميم التجريمي السابغ، فتجعل من الطرف الآخر "خطراً داهماً" أو "سرطاناً يتفشى" أو "طابوراً خامساً" يتخندق. إنها أوصاف تنقدح في خطاب أمثل لخوض المواجهة بنيّة الإبادة، ومن مقتضياته إسباغ التعميم الجائر ووضع اللون الآخر بكامله في خانة الاستهداف دون القدرة على إبصار التباينات اللونية الكامنة ضمنه، وإن كانوا هم "الأشرار" فلن يكون الأخيار سوى "نحن"، أو هكذا تقريباً.

 

لا يرى أي فريق مستقبل القرية أو البلد أو الإقليم أو العالم في حضور الفريق الآخر، بل تتفاعل نزعة الهيمنة على الزمن لترسم صورة افتراضية عن الآتي الذي لا متسع فيه للخصم، بما يفرض اجتراح "الحلّ النهائي" للمشكلة. إنها المقدمات النفسية المألوفة لمسلك التطهير العرقي أو الطائفي بكل ممارساته المألوفة في ماضي الأمم وحاضرها.

 

تبدأ الصراعات غالباً بمنطوق الكلام قبل أن تتجسد في حلبة المواجهة. وليست المجتمعات بحاجة إلى أصداء القذائف والمفخخات والبراميل المتفجرة لتتحقق من منسوب العنف والتوحش الذي يغمرها، إذ يكفيها الإنصات لما يجري على الألسن أو ملاحظة نزيف الأقلام أو رصد تعليقات الجمهرة.

 

ينهض الصراع على خرائط التشظي، ويتخندق كل فريق بحشد من الألفاظ المنبثقة عن تصورات استقرت في الأذهان وقد ترضخ لها الجوارح إن أوتيت أداة الفتك بالآخر. تكبر الكلمات إذ تخرج من أفواههم، وتتحوّل المزايدات اللفظية إلى حمّى سارية في المجتمعات، فيتوارى العقلاء خجلاً من حكمتهم، ويصعد محترفو الشحن والتوتير على أكتاف من قد يدفعون الثمن لاحقاً من لحمهم الحيّ.

 

تتهاون المجتمعات مع العنف اللفظي ثم تسقط في فخاخه. يَسهُل في زمن الصراع اللفظي استدراج الأفراد لغواية الاحتراب المباشر، فلا تأتي بأي مفاجأة أنباء الخلايا الجاهزة لسفك الدماء، نائمة كانت أم مستيقظة، فهي براهين متأخرة على استشراء العلل. فالكلمات المتراصة في خطاب البغضاء قد لا تكون سوى مقدمة اعتيادية لأصابع المتفجرات التي يلفها أحدهم على جسد فتى يندفع وسط الجمهرة، في سوق أو دار عبادة.

 

ينبُت العنف اللفظي من تصوّرات مستقرة في الأذهان والوجدان، ومن نفوس مريضة على الأرجح، تحمل معها منطقها في فهم الواقع ومصادرة التاريخ لروايتها. والتاريخ هنا ليس هو الماضي تماماً، بل هو بالأحرى تصوّر كلّ فريق عن الماضي، على النحو الذي يحفل به خطاب التحريض الذي يفترش الفضاءات، حيث يسع أحدهم بمفرده أن يوقد فتنة عارمة ويشعل الحرائق العابرة للجغرافيا في زمن البث والتشبيك.

 

لا يُستحضَر التاريخ في هذا المقام للعبرة، بل ليقدح بثاراته الكامنة شرارة الاحتراب في الحاضر والمستقبل. إنها رحلة الارتحال إلى فوهة البركان انتظاراً لنشوة الموت المنبعثة حمماً من أعماقه.

 

تمتد عملية المصادرة إلى المعتقد ذاته، ديناً كان أو أيديولوجيا أو حزمة مبادئ إنسانية، فتجري المحاولات الساذجة لاستعمال أي منها وتسخيره لخدمة التصوّرات المسبقة. يجري التفتيش عن نصوص وروايات وشعارات ومقولات، واجتزاؤها من سياقاتها، لتركيبها في اللعبة المألوفة ضمن نسق هشّ يبرِّر لكل فريق اقتراف الموبقات. ولن يعجب المرء إن رأى أنّ دين بعضهم أو فكرته لا يكاد يُجاوز إعمال السكين في رقاب ضحاياه، أو الحشد ضد الجبهة الأخرى مع التعطش الآثم لدماء المتخندقين بها، أو تضخيم حكاية تاريخية وتوظيفها الأسطوري كما يروق له، مع التوسع في التأويلات المنحرفة على حساب النصوص ذاتها.

 

تمتلك المجتمعات كافة امتياز القابلية للتوحّش، مهما بدت وديعة في ماضيها وحاضرها، وهذا من عظات الاجتماع الإنساني كما برهن عليه البشر في أحقابهم ورقاعهم.

 

ستُفزعهم العواقب الوخيمة والمآلات الفادحة بعد انزلاق الصراعات من الوجدان إلى الوجود. وقد كان عليهم ابتداء أن ينبروا لنزع فتائل التفجير التي تدلّت مع الألسن، وإيقاف سفك الدم الذي نزف مع الأقلام، وإطفاء نار الفتن التي تصاعدت حممها في الشاشات والشبكات.

 

المصدر: الخليج أون لاين (تم النشر بإذن رسمي من الكاتب)

 

التعليقات
(الآراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها وليس عن رأي الشبكة الفلسطينية)
التعليقات على هذا الموضوع 0 تعليق
تعليقات الفيس بوك