الأحد 18 - نوفمبر - 2018 م الساعة 06:47:41 م
لا إمكانات لتأهيلهم، ولا إحصاءات
الطفل محمود...عندما يعاقبه المجتمع لإصابته بـ"التوحد"
أطفال يعانون الإهمال في أحد المراكز التي ترعى "أطفال التوحد" - (صورة أرشيفية)

amlodipin actavis

amlodipin

غزة- أميرة نصار (أنسنة):

لم تدمع عيناها لبيع آخر قطعة ذهب تملكُها لأجل شراء علبة الدواء لطفلها المريض غير المستقر صحيا ً ونفسياً عدا عن معاناته في التنقل والحركة وحتى في الاتصال البصري مع الأفراد، فطفلها أغلى من أي ثمن.

 

 محمود محمد ابن الخمسة أعوام لم يتمكن من اللعب واللهو مثل باقي الأطفال في عمره، فقد قضى طفولته  متنقلاً بين المراكز الصحية لإجراء جلسات العلاج في الخارج, حيث مكث ساعات طويلة كان يقضيها بالالتفاف حول نفسه, والصراخ  دون النطق  حتى بحرف, مما أثر على سلوكه وتعامله مع إخوانه الذين مارس ضدهم "عنفاً" لا إرادياً.

 

لم يكن محمود الطفل الوحيد الذي يعاني من مرض التوحد, فهناك الكثير مثله يتربص بهم هذا المرض، ويهدد تفاصيل حياتهم الاجتماعية والنفسية والصحية.

 

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة، قد حددت يوم 2 نيسان/أبريل بوصفه اليوم العالمي للتوعية باضطراب التوحد لتسليط الضوء على الحاجة إلى تحسين حياة الأطفال والبالغين الذين يعانون من هذا الاضطراب، بما يكفل لهم التنعم بحياة كريمة على أكمل وجه. 

ليس "متخلفا"..!

صمتت والدة محمود وكأنها تستذكر كلمة الطبيبة بأن طفلها يعاني "مرض التوحد" وأنه يحتاج إلى صبر واهتمام ورعاية خاصة من قبل العائلة ومن مراكز التوحد.

 

"اكتشفت مرض ابني مبكراً منذ السنة الأولى لميلاده ...كان مختلفاً عن إخوانه الثلاثة طابق العامين ولم يحاول أن يزحف على قدميه ففي لذا انتابني شعور بالقلق والحزن لحالته". وتضيف الوالدة بحزن وأسى "نظرات وكلمات أقربائي كانت بمثابة سكين تغرس في صدري وحتى من يرى طفلي لتفوههم بأنه طفل (متخلف)".

 

 

ولم يهدأ لها بال وعرضت طفلها على العديد من الأطباء في قطاع غزة واصفين حالته بأنها "اضطرابات في النمو ", ولم تكتف بهذا التشخيص إذ توجهت إلى مصر وبدأت رحلة علاج جديدة.

 

كانت والدة الطفل محمود تحاول أن تخفي دموعها لكنها لم تصبر طويلاً في مقلتيها قائلة "وضع العائلة المادي صعب للغاية و زوجي عامل نظافة ممن لا يتقاضون الراتب بانتظام, وحتى أن راتبه لا يكفي لجلب علبة الدواء وحتى الطعام المخصص لمحمود".

ويخصص الأطباء حمية غذائية لأطفال التوحد تتمثل في خبز الذرة والعسل والابتعاد عن خبز القمح ومادة الجلوتين.

 

انتكاسة "المعبر"...

تقدم محمود باتجاهي عندما كنت أتحدث مع والدته فعيناه أرهقتها الدموع وصوته لم يكد يسمع وما أخفته أنامله الصغيرة ورفرفتها أشبه بعصفور أزعجته قضبان الحديد الضيقة على جناحية فحاول التحليق.

 

أما رحلة العلاج إلى مصر التي دفعت من أجلها "ما أبقته لاشتداد الزمن"، فقد كانت "قاسية" فالمبيت في العراء والانتظار الطويل على المعبر لم تكن وحدها صعوبات إنما كانت بالنسبة لها بقعة أمل لترى طفلها كباقي الأطفال، موضحة أن محمود كان يتجاوب مع العلاج وجلسات الأكسجين التي كان يقضيها في المشافي المصرية.

 

وقد تسبب  الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة منذ أكثر من عشر سنوات ساهم في شلل كافة مجالات الحياة الاجتماعية والعلاجية والتعليمية والاقتصادية, وجاء إغلاق معبر رفح "شبه الدائم" ليسهم في تردي حالة محمود والعودة إلى ما كانت علية دون تحسن وافتقاد التواصل مع المراكز العلاجية الخارجية.

 

وبعد أن  أوقف المعبر قطار أحلام محمود وعائلته أُعيد إلى القفص مرة اخرى فوالدة محمود "امرأة لا تعرف المستحيل "على حد وصف سلفتها التي كانت, تتبادل معنا الحديث ,فحاولت التواصل مع مؤسسات للمساندة في رحلة علاجه فلم تكن موفقة في البحث فهناك مؤسسات أغلقت نافذة الأمل في وجها ورفضت التعامل مع حالة محمود لأنه يفتقد التواصل البصري واللفظي.

 

وتعد الجمعية الفلسطينية لحالات التوحد والتأهيل إحدى أهم المراكز التي تعنى بأطفال مرضى التوحد خاصة أنها توصلت لنتيجة مهمة وهي أن "حالات التوحد لا تحظى بأي اهتمام و متابعة بل جميعها توجه لخدمة الاعاقات الحركية ـ السمعية ـ البصرية و النفسية، رغم أن حالات التوحد في العالم في تزايد سريع بما فيها فلسطين".

 

 

 لماذا "توحد" محمود؟

"تلوث البيئة نتيجة للعدوان المتكرر على قطاع غزة ,ومن خلال  تفاعل المواد السآمة مع الغلاف الجوي وما ترتب على العدوان من حرمان عاطفي واستخدام  أسلوب العنف في معاملة الطفل من الأسباب الافتراضية لزيادة مرضى التوحد بينما من ناحية علمية لا يوجد سبب علمي" هكذا يفسر د. إيهاب موسى زميل البروتوكول الروسي لعلاج أطفال التوحد بالأكسجين عالي الضغط  .

 

وقال د. موسى "التوحد هو اضطراب عصبي دماغي المنشأ ينشأ عنه تغير في السلوك العدواني وسمي المرض الثلاثي لأن علاقاته سيئة من الناحية الاجتماعية والأسرية والتواصل البصري". 

 

وتطرق إلى حالات التوحد بالأكسجين عالي الضغط  مشيرا إلى أن هناك صعوبة في تعامل الأسرة والمجتمع مع مريض التوحد، مضيفاً "هناك نقص في الخبرات لدى المؤسسات التأهيلية في التعامل من ناحية التشخيص والعلاج  وحتى الناحية الحكومية مغيبة عن رعايتهم". فجلسات الأوكسجين تكون بمثابة مساعد للعلاج وليس كعلاج رئيس، كونها تعمل على إذابة المعادن الثقيلة في الجسم.

 

وأضاف: "لا يوجد علاج لمرضى التوحد إنما هناك تجارب موجودة وعلاجات افتراضية  تكون مركبة وغالية الثمن" محملاً المسؤولية  للافتقار إلى البحث العلمي، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن الأدوية لا تتوفر ولا تصنع في شركات الأدوية في فلسطين, انما تجلب من الخارج لاعتقاد المسؤولين  بـ"عدم وجود حالات توحد وأن أعدادهم لا تكاد تذكر" . 

 

"يوجد لدي 450 حالة توحد مسجلة في عيادتي و250 حالة أقدم لها الخدمة بشكل مجاني" غير أن حزنه الأشد كان على واقع "المؤسسات والمراكز الصحية التي يغلب عليها الطابع المادي دون مراعاة لفقر أهالي الأطفال".

 

ووصف موسى المجتمع بـ"القاسي" نتيجة لتعامله غير الإنساني مع الطفل المصاب متمنياً بأن يتفهم المجتمع الطفل المصاب بمرض التوحد ويحاول تقبله ,لأنه بحاجة لتأهيل تام وأن يتم تبني علاج أطفال التوحد بصورة مجانية.

 

ما أصعب أن تعيش في مجتمع تبقى نظراته في الغالب تسبق تفهمه وتبقي كلماته سيفا يوضع على رقبة الضحية دون البحث عن حلول في كل الاتجاهات.

 

التعليقات
(الآراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها وليس عن رأي الشبكة الفلسطينية)
التعليقات على هذا الموضوع 0 تعليق
تعليقات الفيس بوك