الأحد 18 - نوفمبر - 2018 م الساعة 07:41:21 م
بعد أن تسبب بإعاقتها حركيا
ريماس وأخواتها ...ضحايا انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي
الطفلة ريماس تتحدث لوسائل الإعلام عن إصابتها

غزة - شيرين العكة (شبكة أنسنة):

للوهلة الأولى تبدو حركة الطفلة ريماس خليفة (8) أعوام، طبيعية، غير أن من يراقبها جيدا يلحظ بوضوح الخلل في التوازن الذي طرأ على أطرافها الشمالية، اليد والقدم معًا، حيث يقدم لها الأهل المساعدة، فتتكأ على أحدهم، بينما لو كانت خارج المنزل في المدرسة مثلا، تجلس في ركن ما، لتستريح ثم تعاود المسير.

 

الطفلة داليا (11) عامًا، شقيقة ريماس، تعاني أيضًا من ألم في يدها اليمنى، ما يُعيقها في بعض الأحيان من أداء مهامها اليومية، ذلك أن جسمًا غريبًا استقرّ داخل يدها، وليس بمقدور الأطباء استخراجه، كما تعاني داليا وأخواتها التوأم سجى وسجود (13) عامًا، من حروق وندوب في وجوههن، لكن مؤخرًا تحسّن وضعهن بفضل العلاج وعمليات التجميل المتكررة.

 

الأخوات لم يولدنَّ على هذه الهيئة، ولم يتعرضن لحوادث طارئة، لكن منزلهن الكائن في حي الزيتون شرق مدينة غزة، تعرض لقصف مدفعي خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على القطاع (2014) بعد أن حاصرتهن القذائف من جهات المنزل الأربعة، فأصابت ريماس في الرأس، أما داليا والتوأم فقد انتشرت الشظايا في انحاء متفرقة من أجسادهنَّ، كما أصيب شقيقهن زهير (20) عامًا، بحروق وشظايا في كامل جسده.

 

ووفقًا لإحصائية صادرة عن جمعية السلامة، فإن العدوان الإسرائيلي على غزة خلّف في صفوف الأطفال فقط  (30) حالة شلل، (29) بتر، (19) فقد بصر، أي (78) حالة إعاقة، أضيفت إلى المجموع الكلي لذوي الإعاقة في غزة والبالغ ( 14427).

 

أطفال باللون الأحمر..

"في المستشفى كنت أركض بين الأقسام، من العناية إلى الجراحة، إلى العظام، ثم الحروق، أبنائي الخمسة كانوا يرقدون هناك"، قالت عائشة خليفة، ويدها ماتزال تُشير إلى المكان الذي نام فيه أطفالها تلك الليلة، حتى تفاجأوا بدوّي القصف ولون النار، على حد تعبيرها.

 

استطاعت بمساعدة زوجها رزق خليفة والجيران أيضًا، الهروب بالأطفال الذين صبغهم الأحمر، "كان أطفالي ينزفون، لم نتمكن من معرفة مكان الإصابة، ما عدا ريماس، كان في رأسها فتحة كبيرة"، خضعت ريماس إلى عملية زراعة دماغ في تركيا، وكانت لا تقوى على الحركة.

 

 

مرَّ أكثر من عامين على العدوان الإسرائيلي، ولم ينته مارثون الركض عند الزوجين خليفة، فأبناؤهم بحاجة إلى المتابعة الطبية وجلسات العلاج الطبيعي، أيضًا بحاجة للدعم النفسي.

 

وحتى اليوم تنفعل ريماس إذا ذُكرت الحادثة أمامها، وقد حاولت انتزاع الورق من الصحفي أثناء اعداده للمقابلة مع عائلتها، ما دفع الأم إلى الكشف عن معاناتها من المشاكل النفسية التي أصابت أبنائها، كالعصبية والاكتئاب، تراجع المستوى الدراسي، وليس انتهاءً بالتبول اللاإرادي.

 وبحسب الأطباء فإن الطفلة ريماس لن تتمكن من الحركة بشكل طبيعي.

 

خدمات متواضعة

جمعية السلامة الخيرية لرعاية وتأهيل الجرحى تابعت حالة أطفال عائلة خليفة وغيرهم ممن أصيبوا خلال العدوان الإسرائيلي المتكرر، في العامين (2008) و (2011). الدكتور محمد دويمة المدير التنفيذي للجمعية، بيّن أنهم يعملون على خمسة برامج (الصحي، وزيارات منزلية، ومساعدات إنسانية، ودعم نفسي، وتدريب مهني)، من خلال أطباء ومختصين في العلاج الطبيعي.

 

وتتأثر خدمات الجمعية بالوضع السياسي الراهن في قطاع غزة، "اغلاق معبر رفح البري حرم الجرحى من تلقي الرعاية الطبية النوعية، ويُمنع من الدخول وفود الأطباء وما يحملونه من مستلزمات طبية"، وفق د.دويمة موضحا أنه بالمقابل فإن فرص المرضى لتلقي العلاج في الخارج محدودةً، واللجوء إلى معبر بيت حانون الواقع في أقصى شمال القطاع، بين غزة واسرائيل يحمل مخاطرةً على سلامتهم.

 

وبحسب دويمة فقد تعرض الطفل أيوب عبد الله (16) عامًا إلى الاعتقال الاسرائيلي أثناء سفره، رغم أنه يُعاني من بتر في أحد أطرافه، وبعد  أربعة أشهر من تاريخ اعداد التقرير، يٌنهي عبد الله محكوميته التي دامت (7) سنوات، وليس بالإمكان اغفال الثعبان الذي ينام تحت الفراش؛ الانقسام السياسي والذي يجعل حكومة رام الله لا تعتمد لديها جميع جرحى العدوان، فُيحرم الكثيرون من صرف راتب الجريح الذي يعينهم على حياتهم، إضافة إلى عجز في الخدمات المنوط بالوزارات الحكومية تقديمها.

 

 

الكشف المبكر للإعاقة...متأخر!

حنين رزق السماك مناصرة لذوي الإعاقة في غزة، كشفت عن ضعف مستوى الوعي والكشف المبكر عن الإعاقة لدى الأطفال، وفي حال بحث المؤسسات عنهم، يدفع نقص الوعي بعض الأهالي إلى انكار وجود مشاكل لدى أبنائهم.

 

وقالت السماك " ليس لدى الأهالي الخبرة الكافية لعمل الفحوصات اللازمة لأطفالهم، فعندما يلاحظون سلوكًا غريبًا عليهم، يتوجهون إلى الأطباء والمراكز الصحية، مما يُخضعهم لتجارب تُأخرهم عن تلقي العلاج المناسب"، وطالبت بضرورة وجود موائمة بين الأطباء والمختصين النفسيين.

 

هنالك مؤسسات في قطاعة غزة توفر الفحوصات والرعاية الطبية المتخصصة، لكن وبحسب افادة السماك فإن عملها "متذبذب، ومحكوم ببرامج تمويل خاصة".

وبينت أن الإعاقة السمعية هي الأوفر حظاً من الدعم والاهتمام، تليها البصرية، بينما تعد الإعاقة الحركية الأقل حظًا من بين الاعاقات.

 

ونبهت السماك إلى ضرورة عدم إغفال "الإعاقة النفسية"، التي أقرتها منظمة الصحة العالمية، موضحةً أن "للجانب النفسي دور في إعاقة اندماج الأشخاص في المجتمع، ويحتاج المصابون بها إلى تدخل عاجل كي لا يفقدوا مستقبلهم"، وتابعت بأسف "يميل الأهل إلى انكار هذه الاعاقة واعتبارها عيبًا أو جنونًا".

 

"اليونيسف" ترصد الانتهاكات

منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) قيّمت وفق نتائج استطلاع أعدّته بعد عدوان إسرائيل عام (2014) أن هنالك تغييرًا بنسبة 100 بالمائة طرأ على سلوك الأطفال الذين شملهم الاستطلاع، وذلك نتيجة للقلق النفسي الذي عانوه خلال الحرب، وأوضح الاستطلاع أن التغييرات الأكثر شيوعًا تمثلت في التبول اللاإرادي، الصراخ وبكاء غير عادي، أيضًا اظهار سلوك عدواني خاصة بين الذكور، علاوة على تأثر الصحة العقلية".

 

وكانت (اليونيسف) قد أعلنت في أيلول/سبتمبر عام 2014 أن العدوان الإسرائيلي قد خلف وراءه "(373,000) طفل فلسطيني بحاجة لتدخل اجتماعي ونفسي مباشر، بناءً على أعداد الأطفال المتأثرين بانتهاكات جسيمة كالإصابة، أو مقتل أحد الأقرباء، والمعاناة من الغارات الجوية والقصف المدفعي، والنزوح".

 

"فيما توصل فريق عمل حماية الأطفال وفريق عمل الصحة العقلية والصحة النفسية الاجتماعية في عام (2015) إلى أن (147,908) أطفال، بنسبة 40 بالمائة من الأطفال بحاجة الى دعم.

وحتى تاريخ اعداد هذا التقرير يُقدّر أن واحدا من كلّ أربعة اطفال في غزة بحاجة لدعم نفسي اجتماعي (225,000) وذلك بحسب (اليونيسف)".

 

 

برنامج غزة للصحة النفسية من جهته عقد ورشة عمل بالتزامن مع اليوم العالمي لحماية الأطفال من العنف والأذى، ناقش فيه الأوضاع النفسية للأطفال الفلسطينيين، وما ترتب عليها من ظهور العديد من المشاكل النفسية والجسدية، وهي نفس المشاكل التي أوردناها سابقًا من خلال تقرير (اليونيسف).

 

وذكر البرنامج إلى أن حوالي 10% من الأطفال بحاجة إلى نوع من أنواع التدخل المتخصص تدخل نفسي متخصص، مؤكدا على أهمية الدور العاطفي والبيولوجي للعائلة في التخفيف عن الطفل، مما يعني احتياج الوالدين أيضًا إلى الدعم.

 

هذه الحاجة المُلحة تفيد بضرورة تدريب وتجهيز الأخصائيين لأية أحداث مشابهة في المستقبل، من باب الواجب الإنساني والوطني والمهني للأخصائيين النفسيين، والمؤسسات العاملة في مجال الصحة النفسية، خاصة في مناطق النزاعات الساخنة مثل غزة.

 

التعليقات
(الآراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها وليس عن رأي الشبكة الفلسطينية)
التعليقات على هذا الموضوع 0 تعليق
تعليقات الفيس بوك